المتاحف ظاهرة حضارية كبيرة ، تحمل الكثير من تراث الأمة وجوانب
الإبداع فيها ، فتحفظه ، وتقدِّمه للأجيال المتوالية ، ليروا فيه
عَيانًا آثار أسلافهم ، وعطاءات مبدعيهم ، فينمو ارتباطهم بجذورهم ،
ويَمْتَلِئُوا فخرًا بما قدمه المبدعون من عطاء متميز، لذلك تحرص
الحكومات في المجتمعات المتقدمة على إنشاء المتاحف ، وتبذل فيها
الأموال ، وتوظف لها الخبرات ، وتفتح الأبواب للأفراد والجهات الأهلية
؛ كي تنشئ متاحف فنية أو علمية ، أو مهنية ؛ كمتاحف الرسم ، ومتاحف
الشمع ، ومتاحف السيارات ، ومتاحف الزهور ، ومتاحف التراث الشعبي ،
وغيرها، وقد ظهرت في أوربا وأمريكا متاحف أهلية كثيرة ، أنشأها أفراد
أو شركات ، تخصصت في فنون ونشاطات محددة ، ونجح معظمها في اجتذاب
الزائرين من مواطنيهم ، ومن السائحين ، بفضل السياسات التسويقية
البارعة ، والوعي الحضاري المتزايد بأهمية تلك المتاحف ، حتى لتجد
زيارتها في برامج إجازات العائلات ورحلاتهم ، وتجد ربَّ الأسرة حريصًا
على أن يُطْلِع أفراد عائلته على محتويات تلك المتاحف ، لكونها ثقافة
سريعة الفهم ، تترسخ في الذاكرة ، وبخاصة ذاكرة اليافعين والشبان .
ولا يقل
حرص الحكومات في معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية على إنشاء المتاحف
والعناية بها عن تلك المجتمعات ، فما من عاصمة أو مدينة كبرى إلا وفيها
متاحف أنشأتها الدولة لتحمل رسالة تراثية ووطنية إلى الزائرين ، ولتظهر
صلة الحاضر بالماضي ، والارتباط الدائم بالجذور .
غير أن
المتاحف الأهلية في هذه المجتمعات قليلة - بل ونادرة - تعد على الأصابع
، فباستثناء مصر ولبنان ، لا نجد متاحف أهلية ذات شأن ، وربما يكون
السبب في ذلك ، التكلفة العالية للمتحف ، وصعوبة الحصول على مقتنيات
متميزة تجعله يجتذب الزائرين ، فالمقتنيات الأثرية القديمة محظورة على
القطاع الخاص في معظم مجتمعاتنا ، وعدم تسليمها للجهات الرسمية في حال
اكتشافها جريمة يعاقب عليها القانون ، ونقلها أو تسريبها خارج البلاد
لا يقل عن تهريب الأسلحة أو المخدرات ، لذلك لا يمكن - عمليًا - إنشاء
متحف يضم آثارًا قديمة ، حتى ولو بالشراء الشرعي الصحيح .
أما
المتاحف الأخرى ؛ كمتاحف الفنون والتراث الشعبي ، والنباتات والزهور ،
والصناعات ، وغيرها من الأنشطة الإبداعية ، فمن الممكن إنشاؤها ، غير
أن ضعف الوعي بأهميتها يجعل المترددين عليها فئة قليلة من المختصين أو
الهواة ، ويجعلها مغامرة مادية خطيرة ، يزهد فيها رجال الأعمال - وهم
القادرون على تكاليف إنشائها وتشغيلها - وتنصرف عنها الشركات
الاستثمارية ؛ لعدم جدواها اقتصاديًا ، وفي هذه الظروف ؛ فإن العامل
الوحيد الذي يمكن أن يدفع فردًا أو جهة غير رسمية لإنشاء متحف أهلي خاص
هو العامل النفسي ، الذي يبدأ ميلاً وانجذابًا ، ثم ينمو ويتعاظم ،
ويصبح هوى وعشقًا ، لا يعبأ بحسابات الربح والخسارة ، بل يصبح رسالة
يبذل فيها صاحبها الجهد والمال لينهض بها ، ويوصلها إلى أكبر عدد من
الناس .
لذا -
وخلافًا لقاعدة ندرة المتاحف الأهلية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية
- تبرز المتاحف الأهلية في المدينة المنورة ظاهرة متميزة ، ومفاجئة لكل
من يسمع بها ؛ متميزة لأنها مغامرات فردية جريئة ، ومفاجئة لأنها بلا
دعاية ، وغائبة عن الإعلام ، فلا يعرفها إلا المتصلون بأصحابها ،
والقليلون الذين وصلتهم أخبارها بشكل أو بآخر .
وربما
يستكثر بعضهم عليها مصطلح (( المتحف )) ، قياسًا على المتاحف المشهورة
في العواصم العربية والعالمية ، غير أن من عرف المتاحف الخاصة ، وعرف
الظروف الصعبة التي تحيط بها في مجتمعاتنا ، لن يبخل عليها بهذا
المصطلح ، وبخاصة إذا وضع في حسبانه اجتهاد أصحابها المتواصل في
تطويرها ، والرسالة الثقافية الكبيرة التي تحملها
.
متحف
الشيخ سلامه بن رشدان الجهنى لعرض التراث القديم أكبر المتاحف ،
الأهلية وأكثرها ازدحامًا بالمقتنيات التراثية ، يقع هذا المُتْحَفُ في
الجهة الشمالية الغربية من المدينة المنورة ، على بعد ( 7 ) كيلومترًا
تقريبًا من المسجد النبوي ، في منطقة سكنية (العزيزيه) وفي مبنى كبير
للمناسبات ، يعد من أكبر قصور الأفراح - إن لم يكن أكبرها-في المدينة
المنورة ، وفي ركنه الجنوبي الغربي لوحة كبيرة ، تقول عبـاراتها : ((مرحبًا بكم في متحف قمة المدينة )) ، وفي ركن عُلْوي من مبنى داخل سور
القصر لوحة أخرى تقول : متحف قمة المدينة لعرض التراث القديم بأنواعه ،
أسسه الشيخ سلامة رشدان الجهني ، وتحت اللوحة مشهد نموذجي لجزء من حياة
البادية : بدوي في ثيابه التقليدية ، وجمل ، وحصان ، ومباخر ، وبعض
وسائل الحياة اليومية في البادية .
يشغل
مبنى هذا المتحف الخاص زاوية داخلية من سور القصر ، ويشعرك بابه الخشبي
أنك ستدخل مكانًا تراثيًا ؛ فقد صنع ببساطة أبواب البيوت الريفية ،
ووضعت عليه زخارف أكثر بساطة ، لا تتعدى قضبانًا من الخشب ، مُثْبَتَة
على صورة زوايا متقابلة ، أو بالمصطلح الهندسي على ( شكل معين ) ،
ويتكون المبنى نفسه من صالتين متعامدتين على هيئة زاوية قائمة ، تمتد
الأولى من الشرق إلى الغرب ، والثانية من الجنوب إلى الشمال ، وتنفتح
عند التقاء نقطتي التعامد لتُكَوِّن صالة واسعة.
يبدأ
المتحف بمدخل ، فيه مكتب الاستقبال ، وموظف يرحب بك ببشاشة ، وسرعان ما
تنسى أنه مكتب استقبال ؛ إذ تتزاحم فيه المعروضات لتشغل جدرانه الثلاثة
، وأرضه ، وحول المكتب الصغير ، وعلى السقف ، وتتنوع المعروضات كأنها
خلاصة لمضمون المتحف ، حيث تجد أدوات طبخ منزلية ، إلى جانبها حاكي
قديم ، وصندوق خشبي مما تُخَزَّن فيه الثياب ، وباب خشبي ، يدلك دهانه
على أنه كان لبيت قديم جيد ، وأباريق شاي ، وبعض الأقفال القديمة ،
بينها قفل متميز ، يحدثك المضيف عن براعة صنعه التي تفوق تقنية الأقفال
الحديثة ، وقد غطي سطحه النحاسي الملفوف ببعض الزخارف المحفورة ، فلا
يخطئ الظن أنه كان قفلاً لبيت موسر ، أو دكان صائغ.
وتجتمع
في هذا (( الملخص )) الافتتاحي للمتحف مقتنيات خشبية ، وأخرى حجرية ،
ومكواة قديمة تسخن بالفحم المحترق ، وميزان صغير ذو كفتين معلقتين ،
وطوابع وعملة قديمة ، وحلي امرأة من القرن الماضي ؛ مجموعة واسعة ،
تحتار العين في التنقل بينها ، ويحتــــار الذهن في الجمـــع بين دلالاتها ،
ســوى أن يردد ما كتب في اللوحة : (( تراث قديم بأنواعه )) .
يلي
مكتب الاستقبال صالة طويلة ، قسمت إلى أقسام ، تشبه الغرف الصغيرة ، كل
واحدة بثلاثة جدران ، وعلى الجدران خزائن خشبية بواجهات زجاجية ، تبدأ
على ارتفاع ثلاثة أرباع المتر ، وتعلو أكثر من متر ، وفي الفراغ الذي
تحتها تنجمع مقتنيات عدة ، بعضها على مناضد صغيرة ، وبعضها على الأرض ،
كما تعلو الخزانة مقتنيات أخرى ، مثبتة على الجدران مباشرة ، أو على
رفٍّ مفتوح .
في
الخزانة الأولى : مجموعة أدوات منزلية نحاسية ، مما في البيوت المتوسطة
الغنى ، وعلى الأرض قدور مختلفة الأحجام ، كأنها رفعت لتوها عن الأثافي
، فقد كَسَا قعرَهَا وجدرانَها إلى ما فوق منتصفها سواد الدخان ، وعلى
رفٍّ صغير فوق القدور الزند الذي تشعل به النار منذ قرون طويلة ، وفي
الركن مرآة مزخرفة ، وفوق الخزانة مجموعة مسدسات قديمة ، تحشى بالبارود
، وتماثيل صغيرة .
وفي
غرفة تالية ؛ تتوالى دِلال القهوة بأنواعها وأحجامها ، على رفوف خزانة
عريضة ، وفي الجدار التالي تصطف ( بنادق ) من أنواع مختلفة ، وأطوال
متفاوتة ، عُمُر أحدثها يزيد على القرن ، وفي غرفة تالية مجموعة أباريق
فضية ونحاسية أنيقة ، يبدو أنها كانت تستخدم في بيوت الأغنياء .
وفي
خزانة مقابلة مجموعة أوان منزلية نحاسية ، لا تخلو من زخارف على سطحها
الخارجي ، بعضها يستخدم آنية طعام ، كالصحون والصواني والمغارف ،
وبعضها الآخر للشرب والاستحمام ، وعلى الأرض تصطف مجموعة مكاييل خشبية
، كان يُكال بها أنواع مختلفة من الحبوب .
وفي
غـرفة تالية ؛ تتكــرر الأسلحة بأنـواعها وأحجـامها المختلفة ؛ من
مسدسات طويلة و(بنادق) متفاوتة ، وتحتها مجموعة من ( مكائن ) الخياطة في
صناعتها الأولى ، التي لا يقل عمرها عن قرن تقريبًا .
واللافت
للنظر في مقتنيات هذه الغرفة ؛ مجموعة أدوات منزلية خشبية ، كانت
تستعمل في البادية ، وهي محفورة من جذوع متوسطة الحجم ، خفيفة الوزن ،
وشديدة التماسك ، لم تظهر عليها أية تشققات رغم قدمها ، ويشرح لك
المضيف المرافق أهميتها للعائلة البدوية ؛ فواحدة من هذه الآنية خاصة
بالحليب الذي يؤخذ من ضرع الناقة ، وأخرى للعجين ، وثالثة لحفظ أنواع
معينة من الحبوب ، وأخرى للسوائل ، أو الطعام المطبوخ ، وهكذا تلبي هذه
الآنية حاجة ربة الخيمة ، ولا يصعب عليها نقلها عندما تنتجع القبيلة مرعى آخر ، فقد جعلت أحجامها متوالية ، لتنجمع واحدة داخل الأخرى كأنها
قطعة واحدة .
وفي
الساحة المكونة من تَجَمُّع الصالتين المتعامدتين ؛ مجموعة متوالية من
الخزانات ذات الواجهات الزجاجية ، وخزانات أخرى ( كالمناضد ) ، تقف على
قوائم ترتفع أقل من متر ، وقطع على الأرض ، أو مستندة إلى الجدار ،
وتتزاحم المقتنيات ، حتى ليشعر المرء أنه في مجمع ضخم للمقتنيات
التراثية ، وتتكرر الأسلحة ، والآنية ، والأباريق ، بينما تتربع
مجموعات كبيرة وكثيرة من الحلي ، وقد صُفَّت حسب مواضع لبسها ؛
فالأساور الفضية العريضة تشغل أكثر من ركن وخزانة ، يرى المدقق فيها
أشكالاً متفاوتة من الزخرفة اليسيرة والمتداخلة ، والخلاخيل التي كانت
تزين أرجل بعض النساء تتعدد أشكالها ولبعضها - أيضًا - ما يشبه الأجراس
المغلقة ، ولبعضها الآخر رقائق تشبه الدراهم الصغيرة .
وفي جزء
آخر من الجدران ؛ مجموعة كبيرة من العقود والقلائد ، أكثرها من الفضة
الخالصة ، التي اكتسى لونها بدُكْنَة تحكي مرور السنين الطوال عليها ،
وتتجاور في بعضها القطع الفضية مع قطع صغيرة من أحجار كريمة ملونة ،
وبعضها دقيق ناعم ، وبعضها الآخر كثيف كثير القطع ، كأنما صنع لامرأة
جزلة لينتشر فوق صدرها الواسع.
وفي جزء
علوي من الجدار ؛ ثبتت مجموعة من الثياب التي كان يلبسها رجل البادية ،
أحدها ثوب ذو أكمام متميزة ، تعادل سعتها سعة الثوب نفسه ، كان يلبس
لمناسبات معينة.
وفي
جانب آخر ؛ مجموعة من ثياب المرأة البدوية تزينه زخارف من خيوط القصب
الذهبية والفضية ، ويبدو أنها من ثياب الأعراس والحفلات ، وعلى الأرض
مجسم بلا رأس لُفَّت عليه ثياب كان المرأة البدوية تظهر فيه .
والحق
أن ميسم الحياة البدوية يسود هذه الصالة ؛ من السلاح ، إلى الثياب ،
مرورًا بالهودج الخشبي ، وأنواع البسط المصنوعة من وبر الإبل وصوف
الأغنام .
وفي وسط
الساحة ، وعلى امتدادها بين الشمال والجنوب ؛ الخزائن الأرضية التي
تجمع نماذج من المخطوطات والوثائق ؛ فهناك مجموعة من الكتب الفقهية
المكتوبة بخط حسن ، بعضها ملون ، فيه كتابات بالحبر الأسود ، وأخرى
بالأحمر ، ورأيت في إحداها دوائر يدخلها اللون الأزرق ، لم تغيره
السنون الطويلة التي مرت عليه .
ويلفت
النظر في هذه الوثائق ؛ لفافة كبيرة - تكاد تؤلف وحدها كتابًا - وهي
شجرة أنساب ، كتبت على مراحل ، عليها أختام وتوقيعات كثيرة ، تظهر طول
المدة الزمنية التي تمتد فيها الأنساب ، وكثرة الفروع التي سجلت فيها ،
ويروي المضيف أن شجرة النسب هذه تضم أسماء عدد من الأنبياء ، ثم من ولد
من أبنائهم وأحفادهم ، حتى عهد الدولة العثمانية ، والوثيقة تحتاج إلى
دراسة متأنية ، يجب أن يتوافر عليها باحث محقق، وهناك وثائق صغيرة ،
تضم حجج استحكامات ومبايعات ، ومحاضر صلح ، وغيرها .
وتطول
الجولة في الصالة الطويلة الواسعة إذا وقفنا ندقق في جدرانها وأرضها
وسُقُفَها ، فما من جزء إلا وعلق فيه مقتنى تراثي ، قريب أو بعيد ؛ أما
المقتنيات القريبة العهد ، فتمثلها مجموعة الساعات المنبهة ، والهواتف
اليدوية ، وأجهزة مذياع خشبية مختلفة الأحجام ، وأخرى صغيرة ، تعد من
الجيل الأول للمذياع الذي يعمل ( ببطاريات ) صغيرة ، ولوحات سيارات
مختلفة من الجيل المبكر للسيارات في المدينة ، ومجموعة إنارة ، تبدأ
بالمصابيح الزجاجية ، وتصل إلى الجهاز الذي يعمل بـ ( الكاز ) ، ويسميه
أهل المدينة ( الألتريك ) ، وهو الذي سبق التيار الكهربائي مباشرة ،
وتكثر في المعرض نماذجه وقطع تبديله ، فهناك مجموعة من الرؤوس الفخارية
التي تحمل كيس التوهج ( القميص ) ، وهناك قطع صغيرة مفككة ، تحسب أنك
في محل صيانة أو بيع قطع غيار لهذا الجهاز ، وهناك موقد ( الكيروسين )
القديم ، الذي كان سيد المطبخ بعد الأثافي ، وظل مستعملاً - وربما ما
زال في بعض الأرياف - إلى أن حلت محله مواقد الغاز والكهرباء المعاصرة
.
أما
المقتنيات الأكثر بعدًا ؛ فهي الطواحين الحجرية بأحجام مختلفة ،
والأواني الخشبية ، وأنواع السيوف ، وقرون الغزلان ، وجلود بعض
الحيوانات التي اصطادها الصيادون وحفظوا جلودها ، وبعض حيوانات الريف
والبادية المحنطة ؛ كابن آوى ، والثعابين والصقور ، ورؤوس الغزلان ،
فضلاً عن المراوح اليدوية المشغولة من سعف النخل ، ومفرش الطعام ، وبعض
السلال العريضة .
وفي
خزانة واقفة أخرى ؛ مجموعة من الدنانير القديمة وأجزائها ، تختلف
عهودها ؛ من العهد العباسي إلى آخر العهد العثماني ، وإلى جانبها خزانة
أخرى لمجموعة من العملات الورقية ، متنوعة تنوعًا شديدًا ومحيرًا ؛
ففيها العربي ، والفارسي ، والتركي ، حتى لتظن أنها خزانة صراف قرب
المسجد النبوي ، يستقبل النقود من الوافدين من كل فج عميق ، وهناك
مجموعة خاصة للعملات التي صدرت في السعودية ، منذ بدايتها حتى الآن .
ومما
يلفت النظر في هذه الصالة ؛ مجموعة صور قديمة لبيوت وأحياء المدينة
المنورة ، زالت في التطورات العمرانية الأخيرة ، وبعض هذه الصور نسخ
لصور ( فوتوغرافية) نادرة ، التقطها رحالة وحجاج ، جاؤوا قبل مدة
تقارب القرن ، وبعضها منسوخ من كتب الرحالة الغربيين ، ومكبر بعناية ،
وصور لزيارة بعض الملوك والرؤساء للمدينة قبل عدة عقود ، ولوحة كبيرة
تحمل عنوانًا يقول : ( من ذاكرة التاريخ ) ، تتضمن لقطاتٍ لمعالم
عمرانية مختلفة ، أصبحت - حقًا - من ذاكرة التاريخ ، وبعضَ كتب المدينة
، وصورًا للمسجد النبوي قبل التوسعات السعودية ، وفي الصالة مِبْخَرة
قديمة ضخمة ، وعلى أحد الجدران يستند باب خشبي قديم من أبواب البيوت
الريفية ، وتتدلى من السقف مجموعة كبيرة من ( الفوانيس ) وأجهزة
الإنارة ما قبل الكهرباء .
وهكذا
تتوالى المقتنيات وتتزاحم ، وقد وضع تحت معظمها ملصقات صغيرة ، كتب
عليها اسم المقتنى أو نوعه وتاريخه، ويحس المتجول - لكثرة ما يراه من
قطع متوالية ومتداخلة أحيانًا في موضوعاتها ودلالاتها - أنه في مجمع
لعدة متاحف ، وليس في متحف واحد ، وأن التراث الشعبي المعروض تجتمع فيه
مقتنيات البادية والحاضرة ، وإن كانت الغلبة للبادية ، وأن التصنيف
الأولي لهذه المقتنيات أتاح الفرصة للتكرار والتداخل والوفرة .
وتجد
تفسيرًا لهذه الوفرة المقصودة في حديث صاحب المتحف ، وتأكيده على أن
تعلقه بالتراث الشعبي يدفعه إلى اقتناء المزيد منه .
ففي
حوار طويل مسجل معه حول سيرته الذاتية وسيرة المتحف ، روى لي : أنه ولد
سنة 1358هـ في منطقة ينبع النخل ، ونشأ فيها ، حيث كانت أسرته تنتقل من
مكان لآخر لترعى إبلها وماشيتها ، فقد كان (( الحلال )) - كما يسمون
الماشية في البادية - المصدر الرئيسي للرزق ، يضاف إليه في الريف الخصب
- وينبع واحد منه - الزراعة ، وبخاصة زراعة النخيل ، وقد تجمع الأسرة
أو القبيلة بين المصدرين في وقت واحد ، فتنتجع المراعي والمياه مدة من
الزمن ، وتلازم نخلها وقت حاجته إليهم ، للعناية به أو لجني رطبه
وتموره .
وكانت
أسرة الشيخ سلامة من هذه الفئة ، تنقلت في المنطقة لترعى ماشيتها حينًا
وعملت في الزراعة والنخيل حينًا آخر ، وكان لوالده خبرة في المداواة
بالأعشاب ، وهو الطب السائد - بل الوحيد - في البادية آنئذ .
وقد
تَعَلَّم على يد أحد الشيوخ قراءة القرآن والهجاء ، وانتهى تطوافه مع
العائلة ليستقر في المدينة المنورة عام 1375هـ ، وكانت لهذه النقلة من
حياة البادية والريف ، إلى حياة المدينة آثار إيجابية في عصاميته
واهتمامه بتطوير نفسه ، والتواؤم مع البيئة الجديدة ، وكانت نقلته
واسعة ، فقد تحول من حياة الريف والرعي ، إلى مستحدثات المدينة مباشرة
، فعمل في محل لتصليح الدراجات ، وما لبث أن اكتسب الخبرة ، وافتتح
محلاً مستقلاً ثم بدأ الدراسة في المدارس الليلية ، واستفاد مما
تعلمه من والده في المداواة بالأعشاب وبدأ يصف الوصفات لمن حوله ،
حتى عُرف بأنه من الذين يطببون بالطب الشعبي ولهذا الطب رواده حتى
وقتنا الحاضر .
ويروي
أنه منذ عام 1378هـ بدأ يعالج المرضى ، وكان يذهب إليهم ، ويصف لهم
الأعشاب التي يشترونها من العطارين ، أو يزودهم بها ، وتحسنت أحواله
العلمية والمهنية والاقتصادية ، فكان يتدرج في الصفوف الانتقالية ،
ويقرأ ما يتيحه له الوقت مساء ، ويعمل في الدراجات والطب الشعبي صباحًا
.
ثم
انتقل من مهنته ليعمل في المكتب الصحي عند باب السلام ، وساعده هذا
العمل على تطوير خبرته ، كما زودته قراءته في كتب الطب الشعبي والأعشاب
بالمزيد منها ، وتوقفت دراسته عند نهاية المرحلة المتوسطة ، وتحولت إلى
قراءات في الكتب التي يشتريها ، واهتم بجمع الأعشاب النادرة ، فكان
يخرج إلى البر ، ويتسلق الجبال ليصل إليها ، واستفاد من كتب الأطباء
العرب القدامى ، ووفِّق في تشخيص أمراض مراجعيه ، وبدأت شهرته تذيع في
المدينة ، وصار المرضى يقصدونه في بيته ، وعندما ازداد عدد المرضى
افتتح عيادة خاصة ، وأخذ يعالج فيها مرضاه ، مستخدمًا مختلف أساليب
الطب الشعبي ؛ من الأعشاب ، إلى الكي والفصد ، وقد نفع الله بعلاجه
الكثيرين ، ونمت شهرته ، ويعد الآن واحدًا من المقصودين من داخل
المدينة وخارجها ، حتى من بعض دول الخليج .
وأما
اهتمامه بالتراث فقد بدأ - كما روى لي - قبل ثلاث وأربعين سنة ، وكان
يلحظ تطور الحياة التي انغمر فيها ، وتطور الأدوات المستخدمة يومًا بعد
يوم ، وكان يرى القديم يُهجر ويُهمل تمامًا بظهور البدائل الحديثة ،
ويحزنه أن يجد كل شيء يرمى في الشوارع مع المخلفات ، وخطر له أن الجيل
الذي ينشأ سيكون بعيدًا كل البعد عن النمط القديم ، بل سيكون جاهلاً به
تمامًا ، وعَزَّ عليه - وهو الذي عاش المراحل المتوالية ، وشهد
التحولات - أن يحدث انقطاع كامل بين الماضي القريب والحاضر ، فقرر أن
يجمع نماذج منه ، وأن يبقيه حيًا ، ولو بالمشاهدة ، ليراه الجيل الجديد
، وبدأ باقتناء النماذج ، وأكثر منها ، لزهد أصحابها فيها ، وعندما يجد
شيئًا ذا قيمة ، يسارع لشرائه ، مهما كان ثمنه ، وساعدته أحواله
المادية المتحسنة في تنمية هذه الهواية ، حتى تجمعت لديه مقتنيات كثيرة
، يغص بها المكان الذي كان يضعه فيه ، وكان من أكثر ما شد اهتمامه ؛
الكتب المخطوطة ، ومخطوطات القرآن الكريم بخاصة ، وكانت لدى بعض الأسر
والأفراد ، وكذلك الكتب والصكوك والمبايعات ، ومحاضر الصلح ، وكان يعجب
كل العجب بديباجة بعض الصكوك ، فقد كان لها - كما يقول - أساليب جميلة
، تمتلئ بالعبارات البليغة ، واهتم - بصورة خاصة - بالصكوك والوثائق
التي كتبت في البادية ، فقد كانت أساليبهم قديمة متوارثة ، وكانت
وثائقهم تكتب بحبر يصنعونه بأنفسهم من شجر السمر الأسود ، ويسمونه (
الدوم ) ، حيث يستخرجون نسيجه الداخلي ذا اللون الأحمر القاني ،
ويمزجونه بقهوة محروقة ومطحونة ، فيصير حبرًا قويًا ثابتًا ، تشهد له
الوثائق التي كتبت به ، والتي يعرضها الشيخ سلامة في مُتْحَفِهِ .
ولا شك
أن نشأته في بيئة البادية ، ومعايشته لها فترة من شبابه ، جعلت له
مكانة متميزة في نفسه ، ودفعته إلى المحافظة على جميع مظاهرها ، ووسائل
المعيشة فيها ، ولعل هذا ما يفسر النموذج الذي وضعه على باب متحفه ،
نموذج البيت البدوي ، بخيمته وجِمَاله وقهوته ، وقد روى لي - بغير قليل
من المتعة - ذكريات كثيرة عن حياته في البادية والأدوات الخشبية
والنحاسية والجلدية ، التي كانت جزءًا أساسيًا من مستلزماتها كالقدح
( وعاء الماء ) ، والمحلب (وعاء
الحليب) ، والهنابة ( وعاء السمن ) ، والسماط ( وعاء العسل ) ،
والمتعة ( قصعة الطعام ) ، وقائمة طويلة ، تعادل محتويات رف طويل من
الأدوات المنزلية المستخدمة اليوم ، تلبي حاجة ابن البادية في طعامه
وشرابه ، وتحَدَّث طويلاً عن الزند الذي أفرد له مكانًا متميزًا في
مقدمة متحفه ، حيث كان رفيق البدوي ؛ يحرص عليه حرصًا شديدًا ، وربما
اشتراه بشاة أو شاتين ، وهو نوع من حجر الصوان ، يعالجه شخص متخصص في
صنعه ، حيث يغليه في ماء وملح وشيء من شعر الغنم حتى يتوهج ويصبح
مشحونًا بالشرر يتطاير منه عند احتكاكه بشيء صلب .
وقد
عاصر الشيخ سلامة في طفولته وقسط من شبابه مرحلة الزند ، واستخدمه ،
وأدرك أهميته ، وأراد أن ينقل للجيل التالي صورة موثقة عنه ، وكذلك
البندقية التي يسميها(رفيق البدوي الدائم ) ، عرف أنواعها من (( أم
الفتيل )) ، إلى (( الهندية )) وحتى دخول البنادق الحديثة ... وعندما
انتقل إلى حياة المدينة ، أصبحت رفقة السلاح ذكرى في الأذهان ، فضمها
إلى مقتنياته ، وأكثر من جمعها بأصنافها المتعددة ، حتى ليحسب المرء
أنه ما من نوع عرفته البادية إلا واقتنى نموذجًا أو أكثر منه ، وتجمعت
المقتنيات ، وتراكمت ، فقد كانت هواية تزداد مع مرور الوقت وتطور أحوال
صاحبها ، بخاصة بعد أن تفرغ للطب الشعبي وإدارة أعماله الخاصة .
وفي عام
1417هـ - وما زالت الرواية لصاحب المتحف - أقام مشروعًا استثماريًا ،
وهو قصر الأفراح الكبير ، الذي أطلق عليه اسم ( قصر القمة ) ، وبنى في
ركنه الجنوبي الغربي صالة المتحف ، ليكون أول متحف خاص ومفتوح للزوار ،
وكذلك ليحفظ هذا التراث الذي عاش جزءًا منه ، وأحبه ، وعَزَّ عليه أن
يغيب عن ذاكرة الأجيال التي لم تشهده .
ويشير
الشيخ سلامة إلى جانب مهم ، كان له أثر في إنشائه المتحف ، وهو :
اهتمام الجهات الرسمية بالتراث ، والوعي الذي تنشره بين المواطنين
للعناية به ، بدءًا بالشعر الشعبي ، الذي وجد رعاية من بعض الصحف
والمجلات ، ووصولاً إلى العناية بالأبنية القديمة والآثار .
ويشيد
الشيخ سلامة بما لقيه من تشجيع المسؤولين ، الذين زاروا متحفه ، وفي
مقدمتهم صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز ، أمير منطقة
المدينة المنورة ، الذي سجَّل كلمة ضافية في سجل الزوار بالمتحف ،
وكذلك عدد من المسؤولين ومندوبي الصحف والمجلات ، ووسائل الإعلام
الأخرى ، الذين لم يتوانوا في الكتابة عن المتحف ، والثناء على الخطوة
الرائدة ، التي قام بها صاحبه ، والجهود التي بذلها لإخراجه إلى حيز
الواقع .
ويتفاءل
بمستقبل المتحف ، لكثرة ما لقيه من اهتمام وتشجيع وإقبال الأهالي عليه
، ويدعو الجيل الجديد - جيل الشباب وطلاب المرحلة الثانوية والجامعات -
إلى زيارته ، ليطلعوا على حياة الجيل الذي رعاهم ، أو رعى آباءهم ،
ويتصلوا بتراثهم ، ويرى أن زيارتهم ستكون زيادة في ثقافتهم ، وستزودهم
بمعلومات قد لا يجدونها في الكتب .
ويتمنى
الشيخ سلامة ؛ أن يقترب بمتحفه من قلب المدينة ، وأن يكون متاحًا
لأهلها وزائريها ، الذي يشق عليهم الوصول إليه ، وربما لا يعرفون شيئًا
عنه ، وقد تقدم بطلب إلى الجهات الرسمية لمنحه أرضًا استثماريه داخل
المدينة ، وتطوع ببنائها من ماله الخاص ، لتكون متحفًا للتراث الشعبي ،
يملؤه بمعروضاته ، كما أنه يتمنى أن يعطى جناحًا في المتحف الكبير ،
الذي سيفتتح في محطة السكة الحديدية ، ليجعله هدية لأهل المدينة .
د. عبد الباسط عبد الرزاق بدر مدير
عام مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة